ابن رشد

50

تهافت التهافت

الحيوانات التي هاهنا لها أعضاء مخصوصة ، في مواضع مخصوصة من أجسامها ، لأفعال مخصوصة ، لا يصح أن تكون في مواضع أخر منها مثل أعضاء الحركة ، فإنها في مواضع محدودة من الحيوانات . والأقطاب هي من الحيوان الكري الشكل بمنزلة هذه الأعضاء ، أعني أنها أعضاء الحركات . ولا فرق بين الحيوان الكري الشكل في ذلك ، والغير كري . إلا أن هذه الأعضاء تختلف في الحيوان الغير كري بالشكل والقوة . وهي في الحيوان الكري تختلف بالقوة فقط ، ولذلك ظن بها في بادئ الرأي أنها لا تختلف ، وأنه يمكن أن يكون القطبان في فلك أي نقطتين اتفقت . فكما لو قال قائل : إن هذه الحركة ، في هذا النوع من الحيوان ، أعني الذي هاهنا يجوز أن تكون فيه في أي موضع اتفق منه ، وأن تكون منه في الموضع الذي هي فيه ، نوع آخر من الحيوان ، لكان أهلا أن يضحك به لأنها إنما حصلت في ككل حيوان في الموضع الأوفق لطباع ذلك الحيوان ، أو في الموضع الذي لا يمكن غيره في حركة ذلك الحيوان . كذلك الأمر في إختلاف الأجرام السماوية في مواضع الأقطاب منها . وذلك أنها ليست الأجرام السماوية واحدة بالنوع كثيرة بالعدد ، بل هي كثيرة بالنوع ، كأشخاص الحيوانات المختلفة ، وإن كان ليس يوجد إلا شخص واحد من النوع فقط . قلت : وهذا الجواب بعينه هو الذي يقال في جواب لم كانت السماوات تتحرك إلى جهات مختلفة ؟ وذلك أن من جهة أنها حيوانات لزم أن تتحرك من جهات محدودة ، كالحال في اليمين ، والشمال ، والأمام والخلف التي هي جهات محدودة بالحركات للحيوانات إلا أنها في الحيوانات المختلفة مختلفة بالشكل والقوة ، وهي في الأجسام السماوية مختلفة بالقوة . ولهذا ما يرى أرسطو أن للسماء يمينا وشمالا وأماما ، وخلفا ، وفوقا وأسفل . فاختلاف الأجرام السماوية في جهات الحركات هو لاختلافها في النوع ، وهو شيء يخصها ، أعني أنها تختلف أنواعها باختلاف جهات حركاتها . فتوهم الجرم السماوي الأول حيوانا واحدا بعينه ، اقتضى له طبعه . إما من جهة الضرورة ، أو من جهة الأفضل ، أن يتحرك بجميع أجزائه حركة واحدة من المشرق إلى المغرب . وسائر الأفلاك اقتضت لها طبيعتها أن تتحرك بخلاف هذه الحركة ، وأن الجهة التي اقتضتها طبيعة جرم الكل هي أفضل الجهات ؛ لكون هذا الجرم هو أفضل